محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1088
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وأحيانا يجرّه التعطيل إلى حالة مباينة ؛ وأحيانا يجرّه الجبر إلى حالة المفروغ ، ويستلزم القدر ؛ وأحيانا يجرّه القدر إلى حالة المستأنف ويستلزمه الجبر ؛ أحيانا يجرّه السمع إلى انتهاج السمع ؛ وأحيانا يجرّه العقل إلى انتهاج العقل . وشبهات العالمين ليست أكثر من هذه المسائل الثلاث : إمّا تشبيه أو تعطيل ، وإمّا جبر أو قدر ، وإمّا سمع أو عقل . من هذه الحوادث الثلاث انطلقت كلّ الشبهات ، واتّضحت كلّ العلوم ؛ ومن حكم بواحدة ، فله عين واحدة : أعور بأيّ عينيه شاء . وبعد أن جرت هذه المناظرة بتفاصيلها بين موسى والخضر - عليهما السلام - وأرادا أن يفترقا ، جاءت غزالة من البرّ ، ووقفت بين الرجلين ؛ نصفها مطبوخ ، ونصفها نيء ؛ المطبوخ باتّجاه الخضر والنيء باتّجاه موسى . قال الخضر : يا موسى ! إن أردت أن تأكل من لحمها فانهض وأوقد النار ، وهات الحطب واشعله واطبخ اللحم النيء ، لتستطيع أن تأكل . الخضر مدّ يده وأكل من المطبوخ . كنت أقرأ ذلك في التفسير أيّام الشباب وأقول : ما معنى هذا المثل ؟ حتّى سمعت بخبر الجبر والقدر الذي دار بين أبي بكر وعمر ، حيث أنكر عليهما النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ، وقال : « أبهذا أمرتم ؟ ! هلّا تكلّمتم في ملك خلقه اللّه تعالى نصفه من النار ونصفه من الثلج ؛ فلا النار تذيب الثلج ، ولا الثلج يطفئ النار ، تسبيحه سبحان من جمع بين النار والثلج . » 202 وذلك الملك الذي خلق نصفه من النار ، ونصفه من الثلج هو نفسه نصف مطبوخ ونصف نيء . يا موسى ! لمّا كنت في عالم الأسباب فأنت موكّل بالنيء ، موكّل بالمستأنف ؛ قم وأت بالنار واطبخ اللحم النيء لتأكل . ولمّا كنت في عالم انعدام الأسباب ، فأنا موكّل بالمطبوخ ، موكّل بالمفروغ ، يجب أن آكل المطبوخ . في دنياي كلّ شيء مطبوخ ، وكلّ الأشجار مثمرة ، وكلّ الأثمار ناضجة ، وكلّ الكينونات كائنة ، وكلّ العقول كاملة ، وكلّ النفوس تامّة ، وكلّ الأمزجة معتدلة . أنا إن خرقت السفينة فقد حافظت عليها ، وإن قتلت الطفل فقد حافظت على الحياة ، وإن أعدت بناء الجدار فقد حافظت على الكنز .